الراغب الأصفهاني
60
الذريعة إلى مكارم الشريعة
نفسك - في تصنيفه ما رأيت من تشوقك أن تزين ما وليه اللّه من حسن خلقك وخلقك بما تتولاه من تحسين أدبك وإكمال مروءتك فما أجدر رواك « 1 » الصبيح أن تحصّل وراءه الرأي الصحيح . حتى تصادف أترجا يطيب معا * حملا ونورا فطاب العود والورق « 2 » فما أقبح المرء أن يكون حسن جسمه باعتبار قبح نفسه جنة يعمرها بوم ، وصرمة يحرسها ذئب كما قال حكيم لجاهل صبيح الوجه : أما البيت فحسن وأما ساكنه فرديء ، وأن يكون باعتباره بكثرة ماله وحسن أثاثه ثورا عليه حلى ، فقد سمّى بعض الحكماء الأغنياء الأغبياء تيوسا صوفها درر ، وحمرا جلالها حبر « 3 » ، ودخل حكيم على رجل فرأى دارا مستجدة « 4 » ، وفرشا مبسوطة ، ورأى صاحبها خلوا من الفضيلة فبزق في وجهه ، فقال له ما هذا السفه أيّها الحكيم ؟ فقال بل هذه حكمة ، إن البزاق ليرمي إلى أخس مكان في الدار ، ولم أر في دارك أخس منك ، فنبه بذلك « 5 » على دناءة الجهل ، وأن قبحه لا يزول بادخار القنيّات « 6 » .
--> ( 1 ) في المطبوعة محياك وفي الأخريين كما هي مثبتة هنا . ( 2 ) في النسختين أ ، د وطاب بالواو . والأترج : شجر ناعم الأغصان والأوراق والثمر ، ثمره كالليمون ، ذكي الرائحة . المعجم الوسيط / 1 / 4 . ( 3 ) جمع جل وهو ما تلبسه الدابة ليحميها وحبر برد يماني للزينة / القاموس / فصل الحاء . ( 4 ) في أ ، وفي د مستجدة ، وفي المطبوعة منجدة . ولعلها متجددة فسقطت نقطة التاء والدال الثانية . ولا خلاف في المعني . ( 5 ) في د ، ط فنبه ، وهي أوفق لأن الحكيم لا يقصد تعليم هذا وحده . ( 6 ) الحادثة تنافي خلق الحكيم المسلم المأمور بعدم الإهانة حين الإصلاح ، وبخاصة أن للوجه حرمه خاصة في الإسلام حيث روي ابن ماجة « لولا مخافة اللّه لبصقت في وجهه » وقد ذكرت هذه القصة عند ابن زكريا الرازي ( ت 250 ) في الطب -